الرئيسية » المقالات » في ذكرى رحيله الرابعة… كيف نظر جيلنا للرئيس الشهيد!
في ذكرى رحيله الرابعة… كيف نظر جيلنا للرئيس الشهيد!

في ذكرى رحيله الرابعة… كيف نظر جيلنا للرئيس الشهيد!

الأستاذ حدي الكنتاوي 

لا للرثاء أكتب، بل لأتشرف بعطر ذكراه، فالعظماء لا يرحلون لأنهم دموع الأزل الباقية، كان اسمه بالنسبة لأبناء جيلي، يعني حرية الوطن المحتل وكان صوته صهيل المدى، إن جلجل لا يتركك تائهًا في مساحات الحيرة، وإن قضى لا يبقيك متسكّعًا في حضن ذلك الالتباس الحافي… ولعل خطاباته المختلفة التي تلهب المشاعر الوطنية، وتسكت كل المتسائلين المتعطشين لسماع المنتظر، خير دليل..
عرفه الرفاق قائد معركة وزعيما صنعته الحرب وبرزته دروب السياسة وتقلباتها من صراعات الرفاق الجانبية، الى إدارته لتفاصيل المعركة الدبلوماسية، واثقًا بالفجر حتى عندما كان الآخرون يلتحفون العتمة، ويخشون حفيف الطلح وصمت الوديان وهسيس الليل ويستمتع الرجل ورفاقه بهدير المدافع زمن لا صوت يعلو فوق صوتها الملعلع…
عاش لسنوات يكابد المحن، كل من عرفه عن قرب يشهد له بانه شخص نابغة صافيًا حرا، وقائد لا يخشى في مواقف الحسم سيفًا، وغليظ يرقّ قلبه لكل من قصده شاكيًا من سطوة الأيام والأنام، متفهم لشعب يان تحت وطأة الانتظار القاتل، الذي يشعل نارا سعيرا في صدره لكن موقعه يفرض عليه أن يبتلعه وهو يضحك مجاريا لواقع مفروض مرفوض، بذكائه الاجتماعي وبصيرته الفطرية البدوية، كان بمثابة القس الذي يثلج صدور مريديه وهو الذي يحسن فن الاستماع ويتقن فن الرد، مهما كان عمر او مقام بل حتى مستوى محدثه، خصال تميز بها الرجل عن باقي الرفاق!

شكّل الزعيم مع ثلة من القادة الوطنيين، حالة متميّزة طيلة فترة الحرب التي استمرت حوالي 16 سنة من الكفاح، ضد المحتل المغربي، مقاتلا وقائدا للناحية الاولى، ثم رئيسا للدولة وأمينا عام للجبهة، أين استقر به المقام على رأس كل المعارك في التخطيط والتنفيذ في مختلف الجبهات لأكثر من ارعين سنة…
نحن والرئيس
كان أول لقاء جمعني بالشهيد محمد عبد العزيز رحمة الله عليه صائفة 2006 أثناء انعقاد اول جامعة صيفية للشباب والطلبة تحت شعار: جامعة انتفاضة الاستقلال، ببلجة التافريتي المحرر في نهاية إحدى المحاضرات الليلية بعد خروجنا من القاعة اخذ بيدي الشهيد، ليحدثني عن زخم الانتفاضة، ومسيرة بعض رموزها وما تقوم به الجماهير هناك من فعل جبار، بعد ما تقدمت بمداخلة اعتبرها المحاضر ساخنة كان وقتها مسؤول المحافظة العسكرية الاخ سيدي وگال، فكانت السبب في استدعائي من طرفه رحمة الله عليه. فكان اول لقاء ولم يكن الاخير طبعا…
بعد اللقاء والعودة إلى الوحدات اعدت شريط المحادثة التي حاولت أن انتهز الفرصة فيها لاتزود باكبر قدر ممكن من فرصة العمر بالنسبة لي في ذالك العمر والوقت وانا شاب لم يدخل الجامعة بعد، وكلي اسى وحسرة على ماضي لم يعد، فلا أعرف ماذا تعرف أجيال اليوم عن تلك الملاحم التي سطرها جيل تحدّى، بكبرياء الأحرار، جنازير دبابة المغتصبين، وغطرسة رصاصه، التي وصل بارودها إلى عتبات خيامهم. يبكيني جهل “أجيال اليوم” وقطيعتهم عن ذلك التاريخ الناصع من حياة شعبنا، ويقلقني فقدانهم لجهات الريح ولمن يؤطر الأمل فينا.
كنت في بدايات الالفينات، نشطًا في الحركة الطلابية الثانوية والجامعية وبدأت من موقعي أتعرّف على جيل القيادات الوطنية في وقت مبكر، ثم صحفيا في الإذاعة الوطنية بعدها، حيث التقيت بكبار قادة الحركة والدولة، ثم في مركزية تنظيم السياسي بعد إكمال الدراسة، أين كانت لي فرصة معرفة خبايا الكثير من القضايا والتعرف على جل الإطارات الوطنية في مختلف المستويات وهي الفرصة التي لم تتح لكثير من رفاق جيلي، كان الزعيم في طليعتهم صاحب الابتسامة الهادئة والنظرة الثاقبة اتصف الشهيد محمد عبد العزيز بكل صفات الكاريزما يشدك إليه بنظراته الحادة وبزخم حضوره، ويغريك بطريقته الفريدة في مواحهته للنقاش، إذ يثرثر الجميع في الإجتماعات الرسمية عند تبادل الحديث إلى أن تأتي ساعة الحسم والحقيقة وتشرئب اعناق الحضور وتخفت الأصوات كل من مكان جلوسه، ليستخلص ويلخص الرجل كل ما جادت به مداخلات الرفاق من صعود وهبوط في النقاش حسب مستوى ومركز ومكانة المتحدثين ليكون اخر الكلام كلام الزعيم….الرجل كان ملهما فعلا.

الرئيس و الدعاية
حاول أعداء القضية، وعلى رأسهم الاحتلال المغربي، أن يضعضعوا مكانته القيادية، وأن ينالوا من تأثيره السياسي كشخصية إجماع وطني في مختلف توجدات الجسم الوطني بجميع الوسائل والحيل، فلجأوا بخبث، الى ابخس الطرق من نشر الشائعات وتغذية الصراعات بين القيادات الوطنية في البدايات، إلى افتعال وتأجيج الصراعات القبلية في محاولة مفضوحة لرمي كرة النار التي كانت بين ايديهم إلى داخل الجبهة والدولة الصحراوية، نتيجة بسالة المقاتل الصحراوي في المعركة وضغط الانتفاضات داخل الأرض المحتلة، وصمود الصحراويين الاسطوري في مخيمات العزة والكرامة كلها عناصر قوة استثمرها الرئيس واحسن استخدمها في تقوية العروة الوثقى بين الصحراويين وفوت الفرصة على المحتل المغربي الغاشم.
كل محاولات تكسير صورة الرئيس والقائد تكسرت على صخرة فطنة ونباهة الصحراويين، ولكن أيضا مصداقية الشهيد محمد عبد العزيز كمقاتل وكرئيس بسيط بين شعبه ورفاقه، كانت هي الحقيقة الدامغة دائما، ففشلوا وبقي محمد عبد العزيز رقمًا صعبًا، وعلمًا حاضرًا في كل واقعة وحدث، واسمًا وازنًا على كل منصة ومنبر دولي او قاري، فاستغلّ الوشاة والمغرضون صدقه وطيبته وترفعه عن الصغائر، إلا أنه لم يلتفت إلى تلك السفاهات، ومضى على طريق النضال كما تشهد حياته الزاخرة بالتضحيات الجسام.
وصفه خصومه في الداخل بالدكتاتور والقبلي المهوس بحب السلطة، بالبدوي المتخلف، فلم يكترث لذلك بل لم يلتفت للوراء قط واضعا نصب عينيه ان العدو واحد وهو المحتل المغربي ، حيث وقف في وجه العواصف وتصدّر الميادين في الحرب كما في السلم في الداخل كما في الخارج، ما أن تشتد أزمة إلى أن يخرج منها اكثر قوة، مشييدا مع رفاق الدرب اركان بناء الدولة الصحراوية رغم صعوبة الظروف وشح الامكانيات، المؤسسات التي شكلت دعامةً للمشروع التحرر الوطني الصحراوي، ووتدًا ثبّت دور الدولة الصحراوية كرقم يصب تجاوزها في المنطقة والقارة، وما عناه ذلك للمشورع الوطني من وحدانية تمثيل الشعب وأهداف كفاحه من أجل الحرية والاستقلال….

الرئيس و الخيانة 

كانت له فلسفته في موضوع الخيانة، حيث يرى الرجل ان اي ثائر انخرط في مشروع ثورة وانتظر ان يعيش النتائج قبل أن يموت، فهو في النهاية مشروع خائن..
لم تكن الخيانة، عنده وعند أترابه، من القادة الوطنيين، مسألة فيها وجهة نظر. لقد كانوا قادة أوفياء، فشكلوا مظلّة وطنية واقية وحصنًا منيعًا حموا تحت سقفه من كان يلجأ اليهم، وعلّقوا على جدرانه سورًا أفادت كيف تكون التضحية سموا والعطاء فريضة والوفاء للوطن عربونًا للخلاص، فكل من احتك به عرف معلّما سياسيًا فذًا يستعين بعقله في الشدائد، وصديقًا وفيًا لكل من تقرب منه بالصداقة، كان الوفاء ديدنه والعطاء سبيله، يوصي بالترفع عن صغائر الأمور وتقدير الكبار والعطف على الصغار، فمعاير التقدير والاحترام تبدأ بالعطاء وتنتهي بالازدراء من المشروع الوطني الصحراوي الجامع.
فقد ضحّى الرئيس الشهيد، وأمثاله، من أجل استقلال الوطن والعيش في ربوعه بكرامة، وقاوم بصلابة لم تلن، وحتى عندما انهك المرض جسده وأصبح نخرا، مضى ماشيًا نحو الشمس بقامة من نور وبعزم منقطع النظير وبصبر أيوب.
لقد عرفناه انسانًا وقائدًا وقريبا من الجميع، صحراوي أصيل روى بدمائه تراب الوطن في المعركة وهو الجريح، الأرض التي أحبها ودفن فيها وسيبقى اسمه خالدا، فالعظماء يرحلون، لكنّهم لا يموتون لأنهم دموع السماء الزكية الأزلية.

عن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*